أحمد بن علي القلقشندي

201

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

من قلب السّامع في القبول والاستنامة ، على قدر حسن النّيّة ؛ والذي يعرف به الشّاكر من صدق اللَّهجة ، ومن قلَّة السّرف ، واعتدال المذاهب ، والاقتصاد في القول . وهذا باب سوى الباب الآخر من حسن الوصف ، وجودة الرّصف ؛ ولذلك لمّا أحسن بعض الواعظين في الموعظة ، وأبلغ في الاعتبار وفي ترقيق القلوب ، ولمّا لم ير أحدا يخشع ، ولا عينا تدمع ، قال : يا هؤلاء إما أن يكون بي شرّ ، أو يكون بكم شرّ . وقيل لجلساء الفضل الرّقاشيّ ( 1 ) ، وعبد الصّمد بن الفضل الرّقاشيّ : ما بال دموعكم عند الفضل أغزر ، وعند عبد الصّمد أنزر ، وكلام عبد الصّمد أغزر ، وكلام الفضل أنزر ؟ قالوا : لأن قلب الفضل أرقّ ، فصارت قلوبنا أرقّ ، والقلوب تتجارى . وقالوا : طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا ، وللدّاعي إذا كان للاستجابة أهلا ، وللمنعم إذا حظي بالشّكر ، وللشّاكر إذا حظي بالقبول . إني لست أحتشم من مدحك ، لأني لست أتزيّد في وصفك ، ولست أمدحك من جهة معروفك عندي ، ولا أصفك بتقديم إحسانك إليّ ، حتّى أقدّم الشّكر الذي هو أولى بالتّقديم ، وأفضّل الصّنف الذي هو أحقّ بالتّفضيل . وفي الخبر المستفيض ، والحديث المأثور : « ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى . وقليل باق خير من كثير فان » . تذاكر الناس عند بعض الحكماء طبقات السّابقين في الفضل ، وتنزيل حالاتهم في البرّ ، ومن كانت الخصلة المحمودة فيه أكثر ، والخصلة الثانية فيه أوفر ، فقال ذلك الحكيم : ليس بعجب أن يسبق رجل إلى الإسلام ، وكلّ

--> ( 1 ) هو الفضل بن عبد الصمد بن الفضل الرقاشي البصري : شاعر مجيد من أهل البصرة . انقطع إلى البرامكة ورثاهم بعد نكبتهم . قال عنه المبرّد : « كان الفضل يظهر الغنى وهو فقير ، ويظهر العز وهو ذليل ، ويتكثر وهو قليل ، فكانت الشعراء تهجوه » . توفي نحو 200 ه . ( فوات الوفيات : 2 / 439 ) .